‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل

السبت، يناير 18، 2014

✿ - أحبك بنصف قلب | قصة قصيرة .


ذات لقاء ..
بينما كان حديثنا يعيدنا إلى مواقع فقدناها ، ابتسمت ابتسامة خفيفة ، وقالت بانسحاق : " في زمان ما تحديتك أن جثث موتى الحب في القلب لا تتحلل . فقلت لي ' يوماً ستلاقين من ينتشل هذه الجثث و يلقي بها خارجاً و يسكن هو ، أو على الأقل سيكون هناك من سيدخل قلبكِ ويكون باستطاعته حصر تلك الجثث في ركن ويبني لهم مقبرة تضم رفاتهم ، و يسكن هو في الجزء المتبقي . تتحدثين الأن بلسان الوجع ليس إلا و الوقت مُسكن الأوجاع ! ' الوقت مضى و الوجع سَكن ،و لكن ليتك كنت الذي كان بوسعه أن ينتشل جثث الموتى من خافقي لا الذي شيد لهم القبور لتبقى نصباً تذكارية في شعابه تفوح منها رائحة الموت المقيته . لستُ بخير كما يبدو فأنا اتنفس برئة واحدة ،و أحب بنصف قلب ، و أحلم بنصف عقل ، نصف مني للحياة ، و نصف وهبته للوجع و الخيبات . أودّ أن أحبك بقلبي كله ، أودّ أن يكتمل نصف هذا الجنون المعربد بي . الحب كهل لم يعش شبابه أبداً ، أودّ أنّ أعيش طيشه و شبابه . " 

وما أن لمعت أحداقها مضت راكضة بأقصى سرعة تستطيعها ، ثم أرتمت تحت سنديانة تنتصب كقدر جائر ، قالت وهي تلهث : " كلما شعرت أن هذا اللعين قلبي يوشك أن يقفز حيث يثور بلارجعة باردة لا أجد حل إلا الركض و الركض حتى تنفذ طاقتي فلا يعد باستطاعتي التفكير بشئ غير التعب ، و لكن حتى و أنا منهكة القوى لدي رغبة ملحة أن أحرق العالم .. و أقف وقفة نيرون و أعزف على القيثارة ألحاناً مستوحاة من لهب النار ! " 

تمنيت آلا تهدء ثورتها ، و آلا تسكت أبداً ،و لكنها فجأة سكنت كما بدأت فجأة . ولم يكن لدي ما أقوله ، فخيم صمت دبق إلى أن حط عصفور على غصن السنديانة و راح يغرد لحناً عذب ، جذبها لتشاطره الغناء فراحت تغني : " أنت و أنا .. يا ريت نطير عَ جوانح عصافير نطير عَ مطارح ما فيها حدا خلف المدى .. ما في حدا خلف أخر صوت من أخر صدى ما في حدا و الشمس تحملنا و تغزلنا حرير .. ياريت فينا ننسرق عَ جناح شي ورقة عم بيطيرها الهوا سوا سوا سوا خصلة سما زرقة .. "

نظرت إلى وجهها الحزين و عينيها الذاهلتين لبرهة ، ثم قاطعت غناءها سائلاً : " هل نتزوج ؟ " عندها رفعت عينيها إليّ ، كانت نظراتها ترسل القشعريرة في بدني ، و كان في عينيها شيئاً لم أره من قبل ،هذا الشئ سمّرني إلى وجهها كأنني آراها لأول مرة ، و أقع في حبها للمرة الأولى . قالت و صوتها يرتد بداخلها فأسمع صداه كما لو أنها كيان مجوف : " ما الذي تعرفه أنت عن الزواج ، عن الحياة ، عن الحب ، عن كل شئ ؟ لعلك الآن تتخذ قراراً مصيري في ساعة اضطراب عقلي ! " 

صمتت قليلاً ثم أردفت بنبرة حادة : " من اخترع الكلام ؟ لقد أوصل الانسان إلى الحماقة ، و الحماقة تفسد كل شئ . أريد أن تفهم رغم أن الفهم مصيبة ! "

- يا عزيزتي تملئنا المآسي لأن صدورنا مغلقة عليها ، ولا بد أن نجري لها عملية جراحية تشق صدورنا لتنفتح على الحياة أكثر ، و تتسع للحب . أنتي تحبينني بنصف قلب اليوم و البقية تأتي بلا شك ، تزوجيني و أنا راضٍ بنصف القلب هذا ، و النصف المتبقي بكل تأكيد فراخنا ستشيد فيه قصور محبتها فوق الرفات التي تشتكين منها ! 

ابتست و هي تلقي نظرها على مد الأفق ، و قالت : " ماذا فعلت بي الآن أشعر بالحزن المستعمر بي يحمل نكهة حنان دافئ ! " 

فجأة التقت عيناي بيعينيها ، و لمحت بوادر سؤال حائر أجبت عليه دون أن أسمعه :

- ستكون الحياة أجمل ، دعينا نقامر من أجل حياة جديدة لا تصلب فيها قلوبنا .. صدقيني التجربة مغرية  و الثمن لا شئ ، اليوم نحمل موتى الحب في اعماقنا ، و غداً ننجب ما نستمر من أجله رغم المعاناة ، أو نموت .

- ما معنى هذا ؟

- اقبلي عرض الزواج ، إن ثماره ستكون الثورة التي تقتلع كل شئ راسخ في الركن المعتم في قلوبنا ، و تعيد خلقه من جديد .


ضحكت ، و كانت ضحكتها أروع من ألحان العالم قبل أن يلفنا الصمت ،ثمة كلمات لا نستطيع التفوه بها أحياناً ترقد في الصدور ملفوفة بهالة عظيمة من الكبرياء ، هي تقبل بذلك العرض ، هذا هو السر الذي افشته ضحكتها الصاخبة قبل قليل ، إذاً عليّ أن أبادر . قلت و أنا متردد و أشعر بشئ من الخجل : " متى موعد لقائي بوالديكِ ؟ " 

قالت بانشراح : " في أيّ وقت .. أحبك بنصف قلب و البقية تأتي ! " 

غمرتها بنظرة حنان و لهي ، و تمنيت بكل عمري أن أضمها إلى صدري ، شئ ما يقتلعني من جذوري لأحلق كفراشات الربيع ، ما أحلاها حبيبتي أجمل من شمس نيسان . 

- أحبكِ بعمري كله ! 



انتهت 

السبت، ديسمبر 07، 2013

✿ - كانون .. سحابة افتقاد !




كانون هذه المرة على غير عادته القديمة ، لم يكن كثير الإلحاح على الجنوح صوب أيّ من بؤر الدفء ، فقد كنت أشعر بقلبي الواجف و كأنه يريد أن يخرج من بين ضلوعي  ليطير كسحابة تهطل فوقها حباً و سرور . ها هي تعود من جديد "صدفة " . يبدو و كأن الأقدار مُصرة ألا تعفينا من أي شئ حتى النهاية ، في لقاء وضع القدر له السيناريو و تكفل بإخراجه بما يمليه ، كلانا لا ندري ما ينتظرنا بعد هذا المشهد الذي يبدو عفوياً ، حميلاً ، و أبدياً .

أود أن أقول : " آيا حبيبة هواكِ تلتهمه رئتي غير مصدقة ، ولا ترغب أن تزفره أبداً يا عصية .."

سألت : "كم سهلة أنتِ ؟ " ، ولا زلت أسأل ، و لا ردّ إلا الردى . و تحت المطر الذي يستعرض مهارته في قرع كل ما هو ساكن و متحرك عمّ الصمت المكان كله ، فما لي إلا أن ألتفت إلى سماع صوتٍ يناديني ، إنهم أولاد خيالي جاءوا يحملونني برشاقة إلى عوالم الخيال . لم أتوقع أن أنساب بلا شعور إلى ما بعد الحلم ، بل إلى ما بعد بعد التَخيُّل .

لا أتذكر كلّ ما مَرّ منذ أول نظرة لي وقعت عليها ، كل ما أذكره الآن هو صوت الموسيقى التي رافقت إنبلاج صورتها في عيني مجدداً ، و نغماتها التي نقشت في نوتة القلب فمتى نبض عزفها لتعود صورتها ، و يعود الإشتياق يلوح في صدري لتلكَ الجميلة التي لا تعلم كيف تلفت إنتباهها ،ولا تعلم إن كانت تنظر إليك إم إلى من خلفك . فتتحول أوتار الكمان المرهفة -بقسوة أيما قسوة- إلى حبال تقبض عنق الأمل قبضة أخيرة ، فتموت الحكاية القديمة من جديد ، و يحيا وجعها من جديد .

لم يكن ذلك اليوم مواتٍ لأيّ شئ سوى الحنين لأزمان طويلة قادمة ، من خلاله تعيش في صدري دهراً ، و أعيش في صدرها عمراً ، لا هي لي ، ولا أنا لها ، ولا نهاية لنا !


- تُرى أيّ وسادةاحتظنت رأسكِ تكفكف دمعكِ في هذا الوقت البارد .. فكان لها شرف العناق ، و القرب ، و بماذا همستي في أذنها الطرشى قبل أن تنامي ، وهل لي في أحلامكِ نصيب ؟

الثلاثاء، أكتوبر 08، 2013

✿ - على قارعه الوطن .. (2)


" كل من عليها فان .. "

- وحده المحكوم بالإعدام يعلم متى سيموت ، أما نحن فمحكوم علينا بالإعدام مع وقف التنفيذ ، و دائماً على موعد مع رسول الموت ، قد يأتي في أي لحظة برفقة طلقة أو قذيفة تردي أحدنا قتيلاً ، على خلاف بنو جنسنا على هذه الأرض و التي قد تغيب هذه الفكرة عنهم ، فيطبقون الشطر الثاني من الحديث النبوي : " إعمل لدنياك و كأنك تعيش أبداً "

- على أرضنا فقط كل ما يستحق الحياة ، ومع هذا للموت نكهة أخرى .. إنها الشهادة !

الأحد، أكتوبر 06، 2013

✿ - على قارعة الوطن ..(1)


 أقبلت و على محياها علامات أفكار تتناطح في مشيتها ، كأنها سحابة متوحشة تُمطر الأرض من تحتها بوابل من الغضب .

- ما بالك ؟
لا بأس أن تسألي عني و عن حالي إن كنتي تجهلين البدء بالحديث ! 


لم ترد ، و بقيت جامدة ، صامتة إلى أن انفجرت بالبكاء على حين غرة ، كانت نبرة أنينها تزداد حدة ، و نفسها يضطرب .. انفلتت تنهيدة مقتضبة منها ،و هي تغطي وجهها بكلتا كفيّها :

- لو أنّ .. لو أنّ التاريخ يُكتب بالورد و التوتْ لا بالدم و البارود !

ينهض رجلها الجالس بقربها ، يحتضنها وهو يمرر أصابعه بخصل شعرها المُكتضة بالشيب ، ويرسم قبلة حانية على جبينها الندي .

- يكتب التاريخ يا حبيبة القلب في بلادنا - بالفعل لا بالتمنى - بالورد . وهل يموت في سبيله إلا الورد ؟ و دمنا في سبيل بضع سطور منه رخيص يسفك كأنه عصير التوت ، على طاولات العشاء السياسية  الكل مدعو و الفاتورة يدفعها شعب الخيام !

صمت لبرهمة ، ثم اردف :

- افرضي أنّ تلك الشظية سببت له إعاقة ما ، و بقي حياً يتألم .. أصبري و ادعي له بالجنه .
- لكنه صغير على الموت و ..."


ما لبثت أن تنطق بهذه الجملة حتى تحشرج صوتها ، و غاصت بحمى صدره . رفع رأسها و نظر في عينها و هو يقول :

- لطالما تمنيت أن أزفه إلى عروسه ، ولكن ماضينا الأعوج يُعرقل سيرنا نحو الأفضل ، و يقتل حُلمنا الأجمل .. هذا قدرنا على هذه الأرض ، يطحننا كطحن الرحى منذ عقود دونما رحمة في سبيل الرحلة المؤجلة إلى الحرية ، الصبر .. الصبر !


قال قوله هذا ، ثم غاص بدوره في حمى صدرها الأثكل ، و انفجر بالبكاء و هو يردد الأية الكريمة "و بشر الصابرين .." .



- تمت .

السبت، سبتمبر 21، 2013

✿ - أريد وطن | خمس قصص قصيرة جداً .



(1)

كانت ترسم على كف يدها خارطة وطن تشعر انها عاشت فيه ، و تشق الطريق إليه بقلمها .


في إحدى المرات .. قطعت طريق قلمها ، و سألتها عما تفعل . 
ردت باستحياء و انوثة : " أريد أن أقول لهذا الوطن العصيّ أني أعرفه ، لكنه ينكرني ! "

ثم توارى صوتها وراء ستارة من الدموع ؛ وبين هذا الحياء و تلك الأنوثة كان عنفوان المقاتلة التي تحلم برسم خارطة الوطن كلها من النهر إلى بحر .


(2)

كانت الزيارة الأولى .. وما أنّ وطئت قدماه ثرى الوطن حتى انبثق الماضر كما يندفع البركان .

- رائحة الحرب ما تزال عالقة في مكان ما بصورة ما مثيرة .


(3)

- ما هو الوطن ؟
- إذا رأيت الطير جناحه مكسور ، مذبوح .. فذاك الوطن ، و قد يكون أرضاً صدى ضوضائها زئير ، لربما أعنف .


(4)

- ماذا تريد لأعطيك ؟
- أريد وطن ! 
- الجنة وحدها يا بني وطن الأشياء ، وطن يحتوينا دون أنّ يهب لنا مع عطاياه النكبات أو الخيبات . على هذه الأرض لا وطن يذكر ، كل أشيائنا تافهة ، و كل الأبواب صدئة ، و كل الأحلام مؤجلة ، و كل الأقدار معلقة .


(5)

هي أميرة الاسم و الرسم ، عاندتها الأقدار فأرهقتها هوى ، ثم دارت و منحتها هوى . دفنتها و لم تكفنها الأيام ، و في النهاية أهدتها فستاناً أبيض و أطفال .



- تمت .

الخميس، مايو 16، 2013

✿ - سَرَقَ العَنّكبُوت بَيّتِي - قصة قصير


لم ينم ليلة كاملة ، ظلّ طَوَال الوقت يُصغي دون أن يبذل حركة واحدة لبضع نجماتٍ سقطت من صُدع في السقف ، بدا كعقرب ساعة عطبة ساكناً، وكحل الليل لا يضيء ما اختلجت به عيناهُ . نبت على محياه الهم ، و تحوّل حديث النجمات في أذنه إلى ضجيج بلا مستقر ، مما أثقل رأسه ..

 في الخارج ..
  بدت سرعة الريح أسرع من الدوران في رأسه ، و حفيف الشجر تحول إلى أسدٍ يزئر غضباً . وجد نفسه يرفع يدهُ إلى أذنه ، و يدفن رأسه في المخدة موارياً وجهه من صورة جدته المصابة بشظية في القلب إلى أنّ نام بدون شعور منه ، و دونما خوف أو إحساس بالعاصفة و إنعدام السلامة و الأمان .

في الصباح ..
استيقظ من نومه فزعاً ، كان حلمه الأول الذي عاد به إلى ما قبل الشظية التي أودت بوالده يتيماً ، إلى ما قبل أن يصبح جده قاصاً يروي حكاية الهروب من الموت . في الأثناء مرت على قلبه ريحٌ حَنُون ترسم أمامه ربيع وطنه بستاناً غطته شقائق النعمان ، سرعانما تبدلت الصورة ، و شاهد الدم لأول مرة ، و تعلم أن جرح الوطن ندبة لا تمحى .. من صميم الجرح تراء له مشهد هروب جده الهرم من الموت ، و هو يحمل زوجته المصابة بشظية ، و مفتاح الدار .

علق الجد المفتاح في عنقه ، و ترك كل شئ خلفه البيت ، الأرض ،العرض ، الكرامة ، الترف ، راحة البال ، ... ، الوطن ، و فر هارباً !

:- لو لم يكن لنا وطن لما طردنا منه ، فالعنكبوت يبني بيته في كل مكان ، لا وطن له يسمى بوطن العناكب ، و مع هذا كل البلاد بلاده ، انتماءه لزوايا ، أينما وجدت زاوية بنى لذاته بيتاً .

*

مرّ زمن ..
 تمردت العنكبوت التي منحها ركناً من بيته عليه ، و بنت شباكها حول الدار و سحبتها ، سرقتها ، و أبقته بلا مكان يآوي إليه . 

أطلق نفساً ، و قال :- آه .. يا إلهي ! لم يكن ذلك حلماً ، لا ولا كابوساً ، لقد كان جحيماً ، فكيف كان للعنكبوت أن تتحول بدون شعور من أحد إلى مصاص دماء ، إلى مستوطن ، إلى شيطان أشد فتكاً بالناس من البارود ؟ 

ثم أخذ يصيح : - " نعم ، نعم ، أنا من سرق العنكبوت بيته .. " ، و راح يلهث وراء استرجاع بيته ، إنه يرفض مجرد فكرة التنازل عنه ، و لو قتل دونه .

قادته إرادته إلى مواجهة مع العنكبوت أدرك من خلالها كم نمى مع الوقت عدوه ، لقد تضخم جداً ، و تحول من مجرد عنكبوت إلى تنين ضخم يسد ثقب الأوزون !

*

كانت دقائق قليلة ..
 جهز الفرس و الفأس و الدرع و الرمح ، وكانت له صولة ، و كانت السماء تشاهد ، و رب السماء كان يعجب كما جاء في الحديث النبوي :- " عجب ربنا من رجل غزا في سبيل الله فانهزم أصحابه فعلم ما عليه .. فرجع حتى أريق دمه .. فيقول الله عز وجل إلى ملائكته انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي ، و شفقة مما عندي حتى أريق دمه " 

- تمت .


الأربعاء، فبراير 20، 2013

✿ - هداية | قصة قصيرة .




مدخل
إنَّ القلوب و إن كانت من صفا جلمودٍ برحمة الله تلين ..


\


كان أخر عهدي بالحيّ الذي قضيت فيه صبايَّ و شيئاً من شبابي فجراً لا أنساه ..

كنَّا في أواخر آذار .. في وقتٍ يتوازى فيه الشتاء مع الصيف ، و تتلفع فيه طبيعة المكان الجبلية الربيع ،فيشب جمال الطبيعة و سحرها . حقيقةً لم يكن ذلك الجمال يغريني حينها أو ينفذ إلى قلبي ، رغم فرط حبي له . فقد كُنْتُ ذاهلاً عن كلِّ شيء ، و ما كان شيء يغويني ؛ و كأنني نصف مغيب أو نصف سكران . حرقة فراق والديّ لا تزال آخذةً بعقلي ، و نارها تَشبُّ في فؤادي ، و لم يكفى ذهني مذ أوّوا تحت التراب عن استحضار صورتهما في اللحد .

بعد وافتهما – رحمهما الله – ورثتُ عنهما ديون علاجهما ، و بيت هزيل أنفَ الزمان من منظره فلم يكتسحه مع ما اكتسحه من ثروة أبي ، فما كان مني إلا أنّ بعته لأسدد تلك الديون العظيمة – و إلا من أين لي بالمال ؟! – ، و غدوتُ في دنيايّ شريداً و وحيد كل شيء من حولي كاسف متخاذل ، و الخواطر في رأسي تدور و كأنها تجري في ساقية لا نهاية لها ، فتنتهي من حيث بدأت شوقاً لمن رقد تحت التراب من الأحبابْ ، و في الفؤاد يصدح صدى انتحابْ !

بقيّ معي مبلغاً زهيد من ثمن ذلك البيت استأجرت به غرفة تؤويني ، و لبثت أتنقل في بيوت أقربائي و أصدقاء والدي أعطي لأبنائهم دروس خصوصية في كل شيء حتى الموسيقى و تلاوة القرآن و تجويده ، و احترفت التعليم ، و لما استأنفت دراستي و حصلت على شهادة جامعية رحت أبحث عن وظيفة لعل الحياة تكشف لي عن نابها مبتسمة أخيراً ، فكانت كل وظيفة أقرع بابها لا تقبل بواسطة أقل من وزير ، حتى كأنما زر كهرباء عظيم يديره القدر فيملأ الكون من حولي سكوناً و ظلام .

يحدث أحياناً مرة في العمر أن تجد من يحبك و يحنوا عليك كأخ أصغر ، و تحبه و تُجله كوالد ، يهتم لشؤونك ، يسأل عنك و يفتقدك إن غبت . مثل العم إبراهيم (أحد أصدقاء والدي) . وفي مرة ذهبت لزيارته و إذ بزيارته أحد معارفه ، وكنت أنفض إليه دخيلتي ، و أكشف له سريرتي فتوسط لي عند ضيفه أن يقدم لي وظيفة في إحدى شريكاته ، فوافق و طلب مني أن أعلم ابنته اللغة العربية فهي لأم أمريكية و لم تتعلم لغتنا ، وافقت من دون تردد فهو صاحب فضل عليا الآن ، و من هنا بدأت حكايتي ..
قابلته في اليوم التالي في ساعة غروب ، فأدخلني على ابنته ، و إذا هي أمامي فتاة ناهد في نحو الثامنة عشر  ، قصيرة الثوب ، عارية الساق ، قد رفعت رجلاً على رجل راعني منظرها ، فلم أستطع إلا الإبانة عما في نفسي ، أخبرته أني كنت أحسبها طفلة صغير و أني لا أعطي الدروس إلا لصغار السن ، و عليه أن يبحث لابنته عن شخص متخصص ، أو يسجلها في أحد المعاهد التي تعلم اللغة العربية للأجانب ، و هو  أفضل لها ، فما زال بي يداورني و يقنعني لما أخبره به العم إبراهيم عني من عظم أخلاق ، و أنه إن كان لابنته معلم مثلي فذلك أسلم لها من أنّ يدخل عليها فاسق خبيث ، و إن قبولي تعليم ابنته لغة القرآن الكريم قربة إلى الله .. فقبلت !

عرفني بها و عرفها بي و انصرف ، و بدأ الدرس على استحياء مني ، إذ أني لم أجالس في حياتي امرأة غير أمي ، و لم أكلمها ، و ثبت على ذلك حتى أصبحت شاباً و أكملت الدراسة ، و فارقت الجامعة ..

مضى الدرس في سلام  ، فلم أتجاوزه و لم أقل فوقه كلمة زيادة ؛ إذ أني – ولست أكذبكم القول – ما عرفت للحرام درباً و الحلال سلوك دربه ، و لا أنا ذو وقاحة و جرأة كهذه الجرأة التي نراها اليوم ، فأنا و معاذ الله من كلمة " أنـا " من أمتن الناس خلقاً ، و أقومهم سيرة ، و أتقاهم لله في سر و في علن ، و أحسب أني كذلك  فما شوهدّت يوماً قد واقفا في طريق ، أو ماشياً إلى لهو ، فقد نشأت في الحلقة و قلبي معلقاً بالمساجد ..

تتابعت الدروس .. و كنت غاضاً لبصري ما استطعت ، محافظاً على وقاري و اتزاني ، فما كنت أنظر إليها إلا عابساً ، لعلي أداري ما يثيره سفورها في نفسي ، و هي على أعصابي كشفرة السيف الحاد .

 كانت إذ ما نظرت إليها – و قليلاً ما كنت أنظر – قرأت في عينيها رسالة لي متنها حديث ولادة و ابن زيدون :

أمكن عاشقي من صحن خدي * * * و أمنح قبلتي من يشتهيها

صريحة تستخرج الصبوة من قرار النفس المكين فتظهر جلية بعد أن قيدتها قيود الخلق المتين ، و غطاها الهمّ الدفين ، فما أحببت أن أوغل معها و كنت أزداد عبوساً و إعراضاً ، فلا يردها عبوسي و لا يثنيها إعراضي . أسرعت ورائي مرة وهي تنادي : " one moment sir " ، ولها في صوتها رنّة كأنها أجراس الفضة في مواكب الحلم ، فإذا حاولت أن تضغط على نفسك و لا تعطي لها اهتماماً لم تشعر إلا و أنت قد عدت إليها ..

وقفت لها و أقبلت تحف بها الشياطين ، فجعلت تدنو مني حتى أصبح وجهي يحس بلسع أنفاسها ، و العيون تغزل كلاماً يفيض بالعاطفة التي تلين أمتن الرجال دون أنّ تتحرك الشفاه ، وكنت بشراً اجتمعت في نفسه صبوة العشق ، و الجمال الفاتن .. وحماقة والد جاء بي إليها ، و غفل عني و عنها .

 ألقت في محيايّ غمزة من مقلتيها و شفعتها بابتسامة من فيها ، شعرت حين إذ بسمها يسري في بدني ، فكبر رأسي ، و استنفرت آخر قوى الفضيلة في نفسي ، و هربت منها مسرعاً إلى الشارع ، و صدري يطوي على مثل البارود المحبوس في قنبلة ، و أنا ألعن كل أب قرْن فرط في صون ابنته حتى صارت كالغصن الذاوي أو الثوب المخرق في زمن مثّكل في مكارم الأخلاق ، و كيف يغار على عرضه من أعمى بصره بريق الحضارة الأمريكية فصاهرها ظناً منه أنّ كل ما يأتي إلينا من رجس تلك الحضارة خير و أعظم أجر ، فذهبت بالأعراض و الأديان و الأبدان ، و أمسى حالنا كمثل النعامة يلحقها الصياد فتفر منه حتى إن عجزت عن الفرار دفنت رأسها في الرمال لظنها أنها إن لم ترى الصياد لا يراها !

حرصت على ألا أكمل معها الدروس ، و إن كان في ذلك خسارتي للوظيفة التي منحني إياها والدها بعد طول بحث ، و كبر عناء – و الرزق على الله – و عقدت العزم عقداً مبرماً حتى ولو مت جوعاً ، فالحقيقة لا تخفى على أحد ، الرجل و المرأة حيثما التقيا و أينما اجتمعا يبقيان رجل و امرأة ، و لذلك قال الرسول – عليه أفضل الصلاة و أتم التسليم - : " ما خلا رجل بامرأة (هكذا ، على الإطلاق ) إلا كان الشيطان ثالثهما " ..

و طلبت من العَمّ إبراهيم أن يخبره بقراري بحجة عمل إضافي باشرت العمل فيه ، فأنا مقبل على حلال يكاد لا يتم ديني إلا بمهر و تكاليف يستحيل دفعهما على مثلي ، فلم يعارض ..

مرت الأيام .. و ذات ليلة من ليالي الشتاء الصعبة ، كنت أجلس في الدار وحيداً ، فإذ بالباب يقرع ، بداية ظننت الصوت بفعل ظروف الطقس ، لكن القرع أخذ يتكرر مراراً و تكراراً ، و لما فتحت و إذا بها تدخل عليّ ، و تغلق الباب من ورائها وهي تنزع معطفها عن منكبيها ، تحدثني تطلب أن أعود عن قراري فأكمل معها الدروس ، و عيناها يطلبان مراد زليخة من يوسف – عليه السلام – ، ولم يكن والدي ( امْرَأ سَوْءٍ ) ، ولم تكن أمي ( بَغيّا ) ، لكني لستُ بطهر مريم البتول ، و لا بورع يوسف الصديق كي لا أهُمّ بها وهي في عقر داري ، و تحت إمرتي ، و الباب مغلق ، و هي تريد ، أحاطني إبليس الهوى ، و دفعتني  موجة الشهوة التي ماجت في نفسي ، و هَمَمْت ..

فإذ بصوت شيخي في الحلقة يرنَّ في أذني كأنه غريق يصرف آخر صرخاته ، يتلو  الآية 32 من سورة يوسف : "قَالَتْ فَذَالِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْته عَنْ نَفْسه فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ"

فأقدمت و ليساني يهذي بـ " إني أخاف الله .. " حتى إذا ضعفت الموجة ، و ماتت كما تموت أمواج البحر وسط اللجّة ، ولم أتردد بل قلت لها بصوتٍ قاطع كالسيف ، خشن كالمبرد : " أخرجي حالاً ، ولا تعودي .. " و فتحت لها الباب و أغلقته وراءها ، ولما خرجت عادت شياطين شهوتي تعبث في نفسي ، فندمت ندماً عظيماً ،و شعرت بإحساس من أضاع كنزاً ، و رحت أعضّ يديّ بأسناني ، و أضرب رأسي بعرض الحائط .. صرت كالمجنون حقاً ، أو كمن ألقي في ماء قبل أنّ يتعلم السباحة فلم أدري كيف السبيل إلى الخلاص من لعنة تلك الفاتنة التي التصقت في بدني و روحي ، فغدوت بدناً من دون روح ، و روح من دون بدن !

عشق العاشق عشقا فانتهى إلى السفل
نزل العشق بقل خلا من الوجل
كان قبل العشق روحا ساميا لما يزيل
سابقا في كل خير أي باب قد دخل
كان قبل العشق بدرا مستنيرا اكتمل
شع في الظلام نورا فاستنار من نزل
* الشيخ د.محمد العريفي

روحت أواسي نفسي بقوله تعالى : ( و السابقون السابقون أولئك المقربون ) ، و أسهر عيون النشوة كي لا تجمعني بها على أرض محرمة ، و أغمض عيوني على تقوى فأتخيل نفسي على الأرائك في جنة الخلد كأخر أطواق النجاة لي من هذه الفتنة ..

أيها العاشق مهلاً إنّ خيراً في المهل
ليس بعد العشق يأس إن العشق فأل
أن بعد العشق طب سر نحوه في عجل
نحو دين و كتاب كل خير قد شمل
* الشيخ د.محمد العريفي


لكنها جعلت تركض خلفي بقلبٍ لاهث ، و كأني سفينة نوح التي خلفتها ، و كنت أتعنت لعلها تتعب من برودة التمثال بي أو تمل ، و لا حياة لمن تنادي ..
فسلكت معها نهجاً جديد ، و اتخذت منها سبيلاً للقرب أكثر من الله عز وجل ، و من أجل إثبات طاعتي لله اتخذت منها امرأة أضاعت بوصلة الكرامة ، فأحببت لها الخير في الدنيا و الفوز بالآخرة ، و كانت رسالة الـ sms الأولى لها مني " في الله " حباً فيه ، و محاولة لإصلاح ما أبلى الدهر .. رحت أنبهها بطريقة أو بأخرى أنّ الحياة أقصر من أنّ تعاش ، و أن الآخرة طوييييييييييلة ، و أرسل الرسالة تلوى الرسالة من أجل إعادتها  إلى رشدها ، و الحفاظ على عفتها و طهارتها ..

و الله يعلم كم كنت أحبها و أشتاق إليها و أحتاجها ، و أني في ليالي فراقها كنت أرى ملك الموت يحوم حولي ، لكني وضعت مخافة الله نصب عينيّ ، فهل من سبيل إليها و الله يحاصرن من كل الجهات ؟!
ولو استطعت أن أختلي بها في أرض لا تدخل في ملك الله للبيت نداءات عينيها و غدوت إلى المضجع الآثم بفرح لا يعكر صفوه انشغالي بالكبيرة التي ساءت سبيلا ، و لن يعرق مسيري إليها مشهد سيري على الصراط المستقيم ومن تحتي ألسنة النار تتلقفني من كل حدب و صوب ، وعلى الدوم كنت أذكر نفسي : " أنا اليوم في بلاء و ابتلاء و إني أخاف الله ، و إني لأرى في وجهها نور الهداية و أن فرطت في صون نفسها من بعد والديها ، و إنها لأمانة قدمها الله لي سأحافظ عليها ما استطعت .. "

ردت أخيراً على إحدى رسائلي التي كنت أقنعها فيها بالحجاب ، و أيقنت حينها أن رسائلي تصلها ، و تقرأها .. قالت :" هل سبق لكَ أنّ أحببت ؟! "

أجبتها بعد برهة : " نعم أحببت و حبيباتي كُثر فمنهم الفلسطينية و الجزائرية و المصرية و غيرهم كثير .. أما الفلسطينية يداعبني على الدوام وجهها الصبوح ، و تملأ مخيلتي عن أخرها جرأتها اللا مسبوقة .. و يا سلام ما أجمل لكنتها يرن صداها في مسمعي تناجي أرضها السليبة ( حبيبة عمري فداكِ روحي ) أنها دلال المغربي ذات العشرين ربيعاً ، بطلة لفلم أكشن حقيقي يفوق الأفلام الامريكية تكتيكاً و قوة ، فهل لكِِ أن تتخيلها فلة أرجة إبان تفتحها تمسك بزمام الكلاشينكوف  بكل ما أوتِيّ الرجال من قوة ؟

و الثانية أجمل من كل أميرات نزار قباني ..
عينان كقنديل و معبد
و الشعر العربي الأسود
كالصيف كشلال الأحزان

إبريق من الماء .. و سجان
و يد تنظم على القرآن
و امرأة في ضوء الصبح
تسترجع في مثل البوح
آيات محزنة الأرنان
من سورة مريم و الفتح

الاسم جميلة بوحيرد
اسم مكتوب بالهب
في أدب بلادي في أدبي ..

و الأخيرة أكبر من أن ينتظم في وصفها البيان يكفيكِ عنها قول المصطفى – عليه السلام –  : " أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد ، و فاطمة بنت محمد ، و مريم بنت عمران ، و آسية "

أردفت في رسالة جديدة : " أهنّ من تحب ؟ "
أجبتها : " نعم هنّ من أحب ! "

فردت على التو بلكنة قطعت مني مضغتي إجلالاً للهادي جل جلاله ، و فرحاً ببشرى الهداية : " اسأل لي الله أن يتوب عني و يغفر لي غفلتي ، و أني الآن أتمناكَ زوجاً صالحاً ، و أعدك أمام الله لن أتزين بعد اليوم لغير الله ( اللهم زينا بزينة الإيمان و التقوى ) و بشراكَ بالحجاب .. "

سبحانكَ ربي ما أكرمك .. هانت برؤيتي إياها مقبلة على العبادة ، تصلي ، و تصوم ، وتعبّ القرآن الكريم كما يعبّ من النبع الصادي الظمآن ، و تحفظه كما يحفظ الشحيح ماله في صندوقه .. كل مصاعبي !

و إذ بوالدها الآخذ بأسباب الحياة الغربية يقدمها لي عروساً مهرها سبيل الهداية ، وكان العقد ، و صارت زوجتي ، لكن الله لم يشئ أن تتم نعمته علي ،فإذ بالموت يعود ليفرد شراعه ، و كم تمنيت و أنا أودعها لو كنت واحداً من أولئك الذين يثبتون على الصهر و تصلبت أعوادهم أمام المصائب ، فأنا لا أجزع من البلايا فحسب و لكن توقعها كفيل بأن يميتني فلا يحييني من بعد موتي ..

أخذت يدها و رحت أنازع الموت عليها ، كأني أريد سحبها من شخص أخر يمسكها من يدها الأخرى و يشدها بقوة ، و إذ بي أزداد جموداً و كأني صببت صباً ، قالت : " عدني أن يكون لك بعدي ألف حبيب و حبيبة في الله ، لم يعرفوا لله درباً تكون أنت لهم بوصلة النجاة .. "

قلت : " لك علي عهد ما حييت يا حبيبة العمر ، أن أطوّف جهات الدنيا الأربع أدعو إلى سبيل ربي بالحكمة و الموعظة الحسنة .. "

فكانت حكايتي مع الدعوة ، و من منا لا يحمل أمانة الدعوى إلى سبيل الله ..

" ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ " [النحل :125]

- تمت ..
* القصة من نسج خيالي  .

الجمعة، يناير 04، 2013

✿ - أحلام المتسولة الصغيرة | قصة قصيرة .


طفلة صغيرة لم تتجاوز من العُمر الستُ سنوات ، جالسة على الرصيف في هذا الوقت من السنة - شديد البرودة - . تحاول عبثاً أن تتملص من سجن ملابسها الرثة ، ومهنتها المُهيّنة بإغماض عينيها ، و السفر بأحلامها لعالم الحكايات ، و قد تتخيل نفسها على مقاعد الدراسة التي لم يسنح لها فقرها بأن تكون أحد مرتاديها كباقي الأطفال . يعتلي وجهها تبَسمٌ مُحزن ، تشعر من خلاله بأمواج الألم وقد اجتاحت نفساً طازجة تتسكع بين دروب الفقر المدقع بدون أدنى رحمة ، ولا شفقة .

ربما لمزيد من طقوس المتسولين في استجداء العطف شفتاها تنضحان بكلمات توسل خافتة لم أسمع منها سوى العبارة الآثيرة لديهم : " من مال الله .. " . لا شك من أنها كباقي معشر المتسولين جثة من طين و روح لا أكثر ، خلت أجسادهم من الشعور ،و إلا ما الذي يُمكن طفلة صغير تجري الدماء في عروقها أن تتحمل هذا البرد القارص ، أو حتى السكون بهذا الشكل في مكانها كمجسم من دون مشاعر أو عاطفة ؟؟؟

ـ ما بالُ تلك الدموع التائهة تبحث عن مستقر تدفن فيه مجرى البلل فوق وجنتيّكِ يا صغيرة الجسد ، قبل ثوانٍ كنتٍ مجرد مجسم خالٍ من الأحساس ، أعليّ أن أصدق تلك الدموع أم أنها تتمة طقوسها في محاولات ترويض الأفئدة العابرة ، و الجيوب التي هي لقوة العطف خاضعة ؟؟ 

إقشعر بدني ، وكل شعرة في جسدي تصدح " ما ذنبها ، و أيّ جرم ارتكبته في هذه الحياة تلك الطفلة ؟ " و نظراتي تلتهمها بشراهة ، و مخيلتي تحاول تخمين قصتها و مستقبلها في خاتمة يومها ، و تتجاوزه لعشر أعوام قادمة . شعرت بخلايا إنسانيتي تتضور جوعاً ، و أمامها طبق من شعور سام يشتهيه ضميري ، آلا وهو التعاطف .

ـ كيف لنا أن نسأل عن تلك الطفلة غذاً وهي راقصة ، أو ساقطة ، أو لعلها لأنواع المخدرات مدمنة، أو وهي تواصل مهنة التسول ؟؟ فهي كالسمكة الصغيرة يلتهمها من هُمّ أكبر منها ! 

أيـام متتالية مرت تغير فيها كل ما يمكن تغييره ، إلا هي بقيت و لوقت طويل بنفس الوضعية ، بنفس الملامح التي بدأت التعاسة و الفقر تنهش براءتها ، و بقيت رهيّن نافذة غرفتي أراقبها من خلف الزجاج و الستائر الشفافة لأشبع فضولي الغريزي .

ـ هذا الركن قضاءها و قدرها ، أم أنه إرث ورثته عن سلفها من متسول تربطها به روابط الدم ، أو  لعلها روابط البؤس و الفقر !

أخيراً سمعت لنداءات ضمير التي كسرت حواجز اللامبالاة و التناسي لأعانق تلك الصغيرة بعاطفة جياشة ، سألتها عن خلاصة حياتها ، اعترتني رعشة مفاجئة ، و أنـا مصغي لحديثها ، صدمتني حكمتها و عمق كلامها الذي ينم عن عجوز خاضت معترك الحياة و جابهت قصوتها على هيئة طفلة ، قالت : " أنـا الفقيرة التي تملك - قطيعاً من الأحلام - و دعوة صادقة تهش فيها البرد في الشتاء ، و حرارة الشمس في الصيف ، أخالط المارة ، و أعبر الطرقات حافية القدمين ، منكوشة الشعر ، و تحلم بفستان تلك الأميرة ؛ وفي المساء بعد مشقة و عناء أنظم إلى كتيفة البؤساء ، وأشاركهم الليل و البكاء ، ثم أعود في الصباح إلى زمهرير البرد أو قيظ الحر بكل رجاء لأعيد ذات المشهد بغباء . أنــا لا أحب التسول يا عم ، و أكره مهانتها ، ولكن ما باليد حيلة . كل يوم أخبر جدتي العجوز طريحة فراش المرض بجديد أحلامي فترد : " إن لم تجري الرياح بما لا تشتهيه السفن لا تحزني يا صغيرتي ، و استمري ! "  . مع هذا أحلامي على الدوام كوابيس تنذرني بنهاية بائعة الكبريت " .



تمت .

الاثنين، ديسمبر 24، 2012

✿ - هموم وطن | خمس قصص قصيرة جداً .


(1)
ثــائــرة ..

جندلت كتفها ببندقية والدها المخبئة من تشرين 1973 ، وهي تقول :
- كفرت بالنظام يا صمد ! 

فزغردت في الأصداء البنادق تغطي على زفرات الموت المتزاحمة :
- إذا قررنا يوماً .. سوف يزول !
الموت الموت .. للأسد 
الموت الموت .. للأسد 
الموت الموت .. للأسد 


(2)

في أوطاننا فقط ..

# إذا صارح الشعب الحاكم : " نعم ، نحن الشعب لا نحبك ! "
طال عمر الحاكم و قصر عمر الشعب .

في أوطاننا فقط ..

# يُشتَكى الهَمّ للغَمّ ، تبكي الدموع العين ، و تُضمد الأوجاع الجراح !


(3)
ملحمة ..

في المعركة .. قُتِل الفرس العربي الأصيل ، و قرر الفارس أن يكتب مرثية
فَـتَـعَـنّـتَتْ الأبجدية !


(4) 
ألم ..

_ شايفك مَوجُوع .. من شو عَمّ تِشّـتِكي ؟!
_ وطني يا صاحبي عَمّ ينئح عليّ نَئِح !,,,,
,

(5)
ثورة ..

أعلن الوطن ثورته ، زمجرت الريح على البسطاء ، فتاب اللص و صار الملك !




- تمت .

الأحد، ديسمبر 23، 2012

✿ - بعض النهايات لها شجن | مجموعة قصصية .




(1)
صوت الخلود ..

بينما كانت جالسة في سكون تحلم بعائلة ، و بيت هادئ ، و طفل أليفة كقطة . شعرت بشعور غريب جعل نفسها توجس لها بقدوم الموت . سمعت صوتاً قادم من السماء ، عذب يطرب الآذان ، وقفت تلبي النداء ، فإذ به الخلود يستعجلها الرحيل ، راحت في اتجاهه غير مبالية إلا بروعة ذلك الصوت القادم من غيابات الجُبّ .

 كل الأصوات من حولها غابت فما عادت تسمع سواه .
إنه  قادم إليها بأروع هندام ، و هي تتزيّا بثوب زفاف أبيض و بكل ما حظيت به من جمال و روعة ، مسك يدها ، و قال : " هيّا معي ! " ، فذهبت معه على موعد أنّ ترسل من نسلها من يكمل الحلم عنها .

 ثوانٍ قليلة ، و تصاعدت صرخات المحاض في غرفة الولادة ، تزف بفرح قدوم من سيواصل الحلم ، و تنعى رحيلها لعالم الخلود .

(2)
القبر بيته ..

قالت لهُ :- " لا أريد قصراً .. يكفيني أن أغفو بين ذراعيك فوق أرضية غرفة ، و لو كانت بلا صقف ! "
فـَ أمهلها بضع سنين يسافر فيها إلى إحدى البلدان للعمل ، و حين يعود سَــ يبني لها قصراً ..
سافر و صارت تبني لهُ كل يومٍ بيت شعرٍ على بحر عشقها ..
و مرت الأيام متلاحقة حتى وصل الحلم لذلك البيت الذي سَــ يتوج حبهما ، و يتزوجا بعد سنين الفراق و الإغتراب .. 
و في عصر أحد الأيام الصيفية قبيل موعد الزواج بــِ أيام أصابة رأسهُ رصاصة طائشة ، و هو متوجه ليستلم مفتاح باب ذلك البيت الذي سَــ يجمعهما أخيراً  ..
نقل على إثرها إلى المستشفى حيث حضي هناك بــِ صندوقٍ خشبي على مقاسه تماماً !

(3) 
الفستان الأبيض ..

سبقها إلى الدنيا بــ يومين ، فنمت و كبرت حتى أصبحت صبية غيداء أمام عيونه المفعمة بالود ، و كأنها عروس خلقة لهُ !

و في الوقت الذي لم تمتلك فيه الجرأة لــ تخبرهُ أنها لا تستطيع العيش من دونه ، أخبرها أنه لا يريد من الدنيا إلا هي لــ يمنحها ما تبقى من أيام عمره ، داخلاً محراب حبها بخطوات واثقة حيث هدتهُ روح طفلة لم تعكر صفوها تجارب السنين، و لطالما حلمت أن ترتدي لهُ الفستان الأبيض ، و من أجل ذلك الحلم حبى في درب الكد و العناء حتى وصل الحلم لذلك الفستان الأبيض !

و فعلاً ذات صباح إزدحم بكل شئ ، و خلا من الفرح صدمتها سيارة مضى صاحبها مبتعداً غير مبالي ، دنى منها و هو يفرك عيونهُ بيديه محاولاً تكذيب ما رأى ، ناداها فلم تجب ، حاول هزها بيده الرجفى لكنها لم تتحرك ، وقف برهمة من الزمن ينظر إليها بــ عيون الدهشة ، و هو يرج رأسهُ حتى يبعد فكرة سقطت من خاطرة الكوابيس صعب عليه تصديقها !

حملها بين ذراعيه متجهاً بها إلى المستشفى بــ خطوات تسابق الريح ، و دمعهُ المسكوب يطيح بكل الصور التي تأتي أمامه لــ سنوات ترتعش على مرمى دمعتين إنحدرت على وجنتيه مزغللة عينيه ، حيث حظيت هناك برداء أبيض ، فــ فشل في إهداء عمره لها حين نجحت هي و أهدتهُ عمرها كلهُ ، فــ إرتمى في أحضانها يودع ما سيضيع من عمره الباقي في غيابها !

للعلم . . هناك عابثاً كل يوم في مكان ما يكتب ( بقلم غير مبالي ) نهاية حكاية لم تكتمل فصولها !

(4) 
لأجلك لن أموت ..

قالت له : " لن أترك وحيداً فأنا أحبك يا أريج حياتي .. سأتشبث بالحياة ما استطعت كي لا تغرق بعدي بالطوفان ، إن شئت اختبرني ممرني بأحشاء الماء ، ستجدني جلداً كصلمود ، لا أذوب في البحار . ستأتخطى بحبك الأمواج و الإعصار ، سأخترق الظلمات السبع كنور البرق ، و أعود معك لنتوج حُبنا بالزواج . 

صار كل يوم يعقد لها ضفائر العزيمة و القوة و يزينها بقصائدة الغزل .
و في إحدى مساءات الشتاء رآى سيارة اسعاف قادمة بإتجاه بيته يحمل صندوقا .. في الصندوق حبيبته جثة هامدة ، أحضروها لتودعه بصمت !

(5)
 توبة عرافة ..

ضربت كفاً بكف ،و ألقت بأصدافها على المنديل أمامها تستطلع الطالع ، قالت : " ستموت يا ولدي بعد ثلاث ليالي ! " ، سأل : " كيف أموت يا خالة ؟ " 
قالت : " ستموت يوم عرسك ، و الذي هو بعد ثلاث أيام فأنا أقرأ ما هو أمامي مكتوب ! " 
تبسم و اطمأن قليلاً ، لم يكن عرسه بعد ثلاث أيام كما ادعت العرافة .

قال بعد أن لملم أجزاء قلبه الذي بعثرته تنبآت تلك العجوز قول الله تعالى : " ما كان الله ليذر المؤمنين  ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب و ما كان الله ليطلعكم على الغيب و لكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله و رسله و إن تؤمنوا و تتقوا فلكم أجر عظيم " . 

قررت العرافة التوبة بعد أن تمعنت المعنى المتجلي وراء الآية القرآنية طمعاً بالأجر و المغفرة . هجرت بيتها ، و جابت أنحاء المعمورة هائمة و مستغفرة ، و لما عادت وجدت المكان و قد تحول إلى مزار يآتونه المتلصصون على الغيب من كل فج عميق ، تطوفه عشرات العرافات الجدد . 

(6) 
العودة إلى الأرحام أمان ..

اكفهر وجهها ، و صبت جام غصبها تلك الليلة بترك المنزل و المدينة ، لتتحرر من قيود والدتها وخوفها على نطفتها - التي ستبقى بعينها قطعة لحم هشة - ما كبرت .

 حلقت كعصفورة صغيرة تعلمت الطيران حديثا مزهوة بجناحيها ، وهي تبحث عن عالم جديد .

ذات يوم التقت بأمها في الشارع ، عرضت عليها العودة للبيت فرفضت ، استجدتها فتعنتت . و في المساء نامت الوالدة معانقة خيبة أملها في ابنتها ، و فشلها في تربيتها .

و عندما أدركت أنها نملة صغيرة تداس بالنعال دون أن يراها أحد عادت إلى البيت ، و أخذت تمور في حضن أمها الدافئ بعنفوان ، و كأنها تريد أن تعود لجسدها الذي هي جزء منه ، فوجدته متيبساً و بارد جداً .

(7)
سندريلا ..

إلتقى بها في ساعة متأخرة من الليل ، عرض عليها مرافقته متأججاً برغباته الدفينة فرفضت ، داعبها فصدت . و حين أدرك أنها تختلق عن الفتايات اللواتي يظهرنّ أواخر الليل كانت قد غادرت .

ظنّ أنها سندريلا ، راح يبحث عنها في وجوه النساء في كل مكان إلا في قلبه .

(8)
خواء ..

كان ينظر ناحيتها ، و كانت مرتاحه لذلك ، وحين أشاح وجهه عنها مررت أصابعها على سطح ملامحها في غنج ، وهي ترسل شعرها الفاحم إلى الوراء ،لم تجد شئ في مكانه .

صرخت : " ما عدت أشبهني ! " 

(9)
أمنية ..

هبطت أمنية ضخمة من فستان غيمة ترقص على أطراف أصابعها فوق عاشقها ، و أردته قتيلاً .

غطته بغلالة من ضوء ، ضمدت جراحه ، جبرت كسوره ، و طارت نحو الغيمة وهي تصرخ : 
ـ لم أكن أعلم أني ولدتُ في جمجمة هشة لا تحمي حلماً ، ولا تستوعب تحقيقه ولو فكرة ! " .

(10)
الحب المستحيل ..

إلتقيا في ومضة حلم ، في لحظة لم يدركها الزمان ، و المكان نافذة قطار و محطة . عصفت رياح الحب مخلفة فستان أبيض يبتظر تقاطع الخطين المتعاكسين ليسيران في نفس الإتجاه .



- تمت 

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites